أحمد بن ابراهيم النقشبندي
275
شرح الحكم الغوثية
136 - إياكم والمحاكاة قبل إحكام الطريق ، وتمكّن الأحوال ؛ فإنها تقطع بكم المحاكمات . في الغالب إنما تنشئ من الدعاوى ، والمدعي منازعة للربوبية كما تقدّم ، فمن كان في البداية قبل إحكام الطريق ، وتمكن الأحوال ، مما جرته المحاكمات إلى الدعاوى الخفية ، وأوقعته النفس بسبب ذلك في كل معضلة وملية لعدم إحكامه الطريق ، وعدم تمكّنه من الأحوال ، فيقطعه ذلك ، ويعوقه أعظم تعويق ، بخلاف المتمكّن من الأحوال ، المحكم للطريق الراسخ في استقامة الأفعال والأقوال ، الماشي على الصراط المستقيم ، من استماعه منه وبتبليغه عنه ، فأموره كلها تكون على السداد ، ولا يفعل شيئا إلّا بأمر وإذن من مولاه ، يقتضي الصحّة وإن كان ظاهره الفساد . قال صلى اللّه عليه وسلم : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر « 1 » » ، فأثبت لنفسه السيادة على الدوام ، وأردفه بقوله : ( ولا فخر ) ؛ ليرفع بذلك توهم من يظن أن ذلك الافتخار ، وإنما هو بيان للواقع ؛ لتزداد القلوب محبّة ، فيناله بذلك أعظم الفخار ، ومن ذلك أيضا قول الكريم بن الكريم : قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [ يوسف : 55 ] . وعن ذلك أيضا قول الوارث المتمكن من الأحوال الشيخ عبد القادر الكيلاني ، الذي تشرّف بصفتي الجلال والكمال : قدمي هذه على رقبة كل وليّ وولية للّه . والحاصل أن من حصل له مقام التمكين ، كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ووارثيهم ، صحّ له أن يثبت لنفسه الكمال ، ويذكر ما فيه من أشرف الخصال ، ولا يضره ذلك المقال ، ولا يعتريه في ذلك عجب ، ولا يتغيّر حاله لرسوخه في مقام
--> - عليه ركوب الأهوال لا يرتقى إلى معالي الأحوال ، ولا يبلغ مراتب الرجال . ( ثم نظرة تسلب ) ، أي : نظرة جمالية أزالت العدم السابق بالوجود لكل الخلائق بها يتعين وجود كل موجود ، ومدد كل ممدود ، وليس هذا الوجود مانع وحدة الحق السابقة ، ومعنى أخر أي : نظرة من عين الجود بكرم المعبود ، تسلب العبد عن نفسه ، وتحضره برته ، وباللّه التوفيق . ( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 1782 ) .